سيد محمد طنطاوي
267
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ) * تعليل لمقت اللَّه أي : لغضب اللَّه - تعالى - عليكم ، أشد من غضبكم على أنفسكم الأمارة بالسوء وذلك لأنكم جاءتكم دعوة الحق على ألسنة رسلكم ، فأعرضتم عنها ، وصممتم على الكفر والفسوق والعصيان ، حتى أدرككم الموت ، وها أنتم اليوم تجزون ما كنتم تعملونه في الدنيا . ثم يحكى - سبحانه - ما يقوله الكافرون بعد أن أنزل بهم - سبحانه - عقابه العادل فيقول : * ( قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ . . . ) * . وأرادوا بالموتة الأولى : خلقهم من مادة لا روح فيها وهم في بطون أمهاتهم . . وأرادوا بالثانية : قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم . وأرادوا بالحياة الأولى : نفخ أرواحهم في أجسادهم وهي في الأرحام ، وأرادوا بالثانية إعادتهم إلى الحياة يوم البعث ، للحساب والجزاء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّه وكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . . « 1 » . * ( فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ) * أي : أنت يا ربنا الذي - بقدرتك وحدها - أمتنا إماتتين اثنتين ، وأحييتنا إحياءتين اثنتين ، وها نحن قد اعترفنا بذنوبنا التي وقعت منا في الدنيا ، وندمنا على ما كان منا أشد الندم . . * ( فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) * أي : فهل بعد هذا الاعتراف ، في الإمكان أن تخرجنا من النار ، وأن تعيدنا إلى الحياة الدنيا ، لنؤمن بك حق الإيمان . ونعمل غير الذي كنا نعمل . فأنت ترى أن الآية تصور ذلهم وحسرتهم أكمل تصوير ، وأنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم ، ولكن هذا التمني والتلهف جاء بعد فوات الأوان . قال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية كقوله - تعالى - : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّه وكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . . . وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية . وقال السدى : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا ، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة . وقال ابن زيد : أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ، ثم خلقهم في الأرحام . ثم أماتهم يوم القيامة . وهذا القولان ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 28 .